ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك ، فإن كنت حافظا إذا ولوك . حذرا إذا قربوك ، أمينا إذا ائتمنوك ، تعلمهم وكأنك تتعلم منهم ، وتأدبهم وكأنك تتأدب بهم ، وتشكر لهم ولا تكلفهم الشكر ، ذليلا إن صرموك ، راضيا إن أسخطوك ، وإلا فالبعد منهم كل البعد والحذر منهم كل الحذر ، وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فاستغن عنه ، فإنه من يخدم السلطان حق خدمته يخلى بينه وبين لذة الدنيا وعمل الأخرى ، ومن يخدمه غير حق الخدمة فقد احتمل وزر الآخرة ، وعرض نفسه للهلكة والفضيحة في الدنيا . فإذا صحبت السلطان فعليك بطول الملازمة من غير إملال ، وإذا نزلت منه بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ، ولا تكثر له من الدعاء ، ولا تردن عليه كلاما في حفل وإن أخطأ ، فإذا خلوت به فبصره في رفق ، ولا يكونن طلبك ما عنده بالمسألة ، ولا تستبطئه وإن أبطأ ، ولا تخبرنه أن لك عليه حقا ، وأنك تعتمد عليه ببلاء ، وإن استطعت ألا تنسى حقك وبلاءك بتجديد النصح والاجتهاد فافعل ، ولا تعطينه المجهود كله من نفسك في أول صحبتك له ، وأعد موضعا للمزيد . وإذا سأل غيرك عن شئ فلا تكن المجيب . واعلم أن استلابك الكلام خفة فيك واستخفاف منك بالسائل والمسؤول ، فما أنت قائل إن قال لك السائل : ما إياك سألت ، أو قال المسؤول : أجب بمجالسته ومحادثته أيها المعجب بنفسه ، والمستخف بسلطانه . وقال عبد الملك بن صالح لمؤدب ولده بعد أن اختصه بمجالسته ومحادثته : يا عبد الله ، كن على التماس الحظ فيك بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام ، فإنهم قالوا : إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم . وأعلم أن أصعب الملوك معاملة الجبار الفطن المتفقد ، فإن ابتليت بصحبته فاحترس ، وإن عوفيت فاشكر الله على السلامة ، فإن السلامة أصل كل نعمه . لا تساعدني على ما يقبح بي . ولا تردن على